محمد بن جرير الطبري
99
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لِلْيُسْرى . . . يَصْلَى النَّارَ يقول تعالى ذكره : ونسهلك يا محمد لعمل الخير ، وهو اليسرى ؛ واليسرى : هو الفعلي من اليسر . وقوله : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يقول تعالى ذكره : فذكر عباد الله يا محمد عظمته ، وعظهم ، وحذرهم عقوبته إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى يقول : إن نفعت الذكرى الذين قد آيستك من إيمانهم ، فلا تنفعهم الذكرى . وقوله فَذَكِّرْ أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بتذكير جميع الناس ، ثم قال : إن نفعت الذكرى هؤلاء الذين قد آيستك من إيمانهم . وقوله : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى يقول جل ثناؤه : سيذكر يا محمد إذ ذكرت الذين أمرتك بتذكيرهم من يخشى الله ، ويخاف عقابه وَيَتَجَنَّبُهَا يقول : ويتجنب الذكرى الْأَشْقَى يعني : أشقى الفريقين الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى وهم الذين لم تنفعهم الذكرى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى فاتقوا الله ، ما خشي الله عبد قط إلا ذكره وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى فلا والله لا يتنكب عبد هذا الذكر زهدا فيه وبغضا لأهله ، إلا شقي بين الشقاء . وقوله : الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى يقول : الذي يرد نار جهنم ، وهي النار الكبرى ، ويعني بالكبرى لشدة الحر والألم . وقوله : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى يقول : ثم لا يموت في النار الكبرى ولا يحيا ، وذلك أن نفس أحدهم تصير فيها في حلقه ، فلا تخرج فتفارقه فيموت ، ولا ترجع إلى موضعها من الجسم فيحيا . وقيل : لا يموت فيها فيستريح ، ولا يحيا حياة تنفعه . وقال آخرون : قيل ذلك ، لأن العرب كانت إذا وصفت الرجل بوقوع في شدة شديدة ، قالوا : لا هو حي ، ولا هو ميت ، فخاطبهم الله بالذي جرى به ذلك من كلامهم . القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى يقول تعالى ذكره : قد نجح وأدرك طلبته من تطهر من الكفر ومعاصي الله ، وعمل بما أمره الله به ، فأدى فرائضه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى يقول : من تزكى من الشرك . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : ثنا هشام ، عن الحسن ، في قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال : من كان عمله زاكيا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال : يعمل ورعا . حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : ثنا حفص بن عمر العدني ، عن الحكم ، عن عكرمة ، في قوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى من قال : لا إله إلا الله . وقال آخرون : بل معنى ذلك : قد أفلح من أدى زكاة ماله . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن علي بن الأقمر ، عن أبي الأحوص قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الزكاة قال : من استطاع أن يرضخ فليفعل ، ثم ليقم فليصل . حدثنا محمد بن عمارة الرازي ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن الزكاة علي بن الأقمر ، عن أبي الأحوص قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الزكاة قال : من رضخ . حدثنا محمد بن عمارة ، قال : ثنا عثمان بن سعيد بن مرة ، قال : ثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، قال : إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة ، فليقدم بين يدي صلاته زكاته ، فإن الله يقول : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ